الجاحظ
181
رسائل الجاحظ
غيره من أصحاب هذه المراتب وأهل هذه الطبقات الذين هم الغايات علمنا أنه أفضلهم ، وإن كان كل واحد منهم قد أخذ من كل خير بنصيب فإنه لن يبلغ مبلغ من قد اجتمع له جميع الخير وصنوفه . [ 3 - أسباب عدم تولي علي الخلافة عند موت النبي ] فهذا دليل هذه الطبقة من الزيدية على تفضيل علي رضي اللّه تعالى عنه وتقديمه على غيره . وزعموا أن عليا كان أولاهم بالخلافة إلا أنهم كانوا على غيره أقل فسادا واضطرابا وأقل طعنا وخلافا ، وذلك أن العرب وقريشا كانوا في أمره على طبقات . فمن رجل قد قتل علي أباه أو ابنه أو أخاه أو ابن عمه أو حميه أو صفيه أو سيده أو فارسه ، فهو بين مضطغن قد دام على حقده ينتظر الفرصة ويترقب الدائرة قد كشف قناعه وأبدى صفحته . ومن رجل قد زمل غيظه وأكمن ضغنه يرى سترهما في نفسه ومداراة عدوه أبلغ في التدبير وأقرب من الظفر ، فإنما يجزئه أدنى علة تحدث وأول تأويل يعرض أو فتنة تنجم ، فهو يرصد الفرقة ويترقب الفتنة حتى يصول صولة الأسد ويروغ روغان الثعلب فيشفي غليله ويبرد ناره ، وإذا كان العدو كذلك كان غير مأمون عليه سرف الغضب وأن يموه له الشيطان الوثوب ويزين له الطلب ، لأنه قد عرف مأتاه وكيف يختله من طرق هواه ، فإذا كان القلب كذلك اشتدت حفيظته ولم يقو احتراسه وكان بعرض هلكة وعلى جناح تغرير ، لأنه منقسم الرأي متفرق النفس قد اعتلج على قلبه غيظ الثأر على قرب عهده بأخلاق الجاهلية وعادة العرب من الثأر وتذكر الأحقاد والإحن القديمة وشدة التصميم . ومن رجل غمته حداثته وأنف أن يلي عليه أصغر منه . ومن رجل عرف شدته في أمره وقلة اغتفاره في دينه وخشونة مذهبه . ومن رجل كره أن يكون الملك والنبوة يثبتان في نصاب واحد وينبتان في مغرس واحد ، لأن ذلك أقطع لأطماع قريش أن يعود الملك دولة في قبائلها ، ومن قريش خاصة في بني عبد مناف الأقرب فالأقرب والأدنى فالأدنى ، لأن الرحم كلما كانت أمس والجوار أقرب والصناعة أشكل كان الحسد أشد والغيظ أفرط . فكان أقرب الأمور إلى محبتهم إخراج الخلافة من ذلك المعدن ،